الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

36

نفحات الولاية

الرسالة : « انظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها ، وتملّكه زمامها ، وأعجب لهذه الألفاظ المنصوبة يتلوا بعضها بعضاً كيف تواتيه وتطاوعه ، سِلسلة سهلة تتدفق من غير تعسّف ولا تكلّف ، حتى انتهى إلى آخر الفصل فقال : « يَوْماً وَاحِداً ، وَلَا أَلْتَقِي بِهِمْ أَبَداً » . وأنت وغيرك من الفصحاء إذا شرعوا في كتاب أو خطبة جاءت القرائن والفواصل تارة مرفوعة ، وتارة مجرورة ، وتارة منصوبة ، فإن أرادوا قَسْرَها بإعراب واحد ظهر منها في التكلّف أثرٌ بيّن ، وعلامة واضحة ، وهذا الصِّنف من البيان أحد أنواع الإعجاز في القرآن ، ذكره عبد القاهر ، قال : انظرْ إلى سورة النّساء وبعدها سورة المائدة ، الأولى منصوبة الفواصل ، والثانية ليس فيها منصوب ، ولو مزجت إحدى السورتين بالأخرى لم يمتزجا ، وظهر أثر التركيب والتأليف بينهما . ثمّ إنّ فواصل كلّ واحد منهما تنساق سياقة بمقتضى البيان الطبيعي لا الصناعة التكلّفية ، ثمّ انظر إلى الصفات الموصوفات في هذا الفصل ، كيف قال : « وَلَداً نَاصِحاً » ، ، « وَعَامِلًا كَادِحاً » ، « وَسَيْفاً قَاطِعاً » ، « وَرُكْناً دافِعاً » ، لو قال : « ولداً كادحاً » و « عاملًا ناصحاً » ، وكذلك ما بعده لما كان صواباً ، ولا في الموقع واقعاً ، فسبحان اللَّه من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة ! أن يكون غلامٌ من أبناء عرب مكّة ، ينشأ بين أهله ، لم يخالط الحكماء ، وخرج أعرفَ بالحكمة ودقائق العلوم الإلهيّة من أفلاطون وأرسطو ، ولم يعاشر أرباب الحكم الخلقية والآداب النفسانيّة ، لأنّ قريشاً لم يكن أحد منهم مشهوراً بمثل ذلك ، وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط ، ولم يربّ بين الشجعان ، لأنّ أهل مكّة كانوا ذوِي تجارة ، ولم يكونوا ذوي حرب ، وخرج أشجعَ من كلّ بشرٍ مشى على الأرض ، قيل لخَلف الأحمر « 1 » : أيّما أشجع عَنبسة وبِسطام أم عليّ بن أبي طالب ؟ فقال : إنّما يذكر عَنبسة وبسطام مع البَشر والناس ، لا مع من يرتفع عن هذه الطبقة ، فقيل له : فعلى كلّ حال ، قال : واللَّه لو صاح في وجوههما لماتا قبل أن يحمل عليهما ، وخرج أفصحَ سَحبان

--> ( 1 ) . خلف الأحمر من علماء القرن الثاني للهجرة وهو صاحب اليد الطولى في الشعر والأدب والتاريخ .